شبح الأسد في مجلس الشعب
27. تموز 2026
غاب الأسد عن مجلس الشعب، وغاب معه التصفيق الذي لازمه عقوداً، لكن بعض ما صنعه عهده لا يزال حاضراً في لغة السياسة وطقوسها.
إنَّ قصة سوريا هي قصة معطف، سنلخِّص قصة «المعطف» للكاتب الروسي نيقولاي غوغول، التي قال فيها دوستويفسكي: «لقد خرجنا جميعاً من معطف غوغول» على أن نعود إليها في ختام هذا المقال.
بطل القصة موظف حكومي بسيط، مجدٌّ في عمله، يعيش في عاصمة روسيا آنذاك، سانت بطرسبرغ، واسمه أكاكي أكاكيفيتش (يشبه أسماء مثل: مبروك أو خلف في العربية)، يحرم نفسه من الطعام مدةً، ليشتري معطفاً جديداً، لكن معطفه يسرق بعد أول ارتداء له، فيموت أكاكي حزناً على معطفه، ثم يعود شبحاً يسرق معاطف الناس.
صفِّقوا تصِحّوا
انتشرت صور مجلس الشعب السوري الجديد، المُنتخَب بالتزكيات الشعبية والحكومية في المرحلة الانتقالية، مقرونة بصور مجلس الشعب في عهد الأسد، عهد التصفيق؛ فقد كان التصفيق فيه جزءاً من الصلوات السياسية.
اقتبس حافظ الأسد منظمة «طلائع البعث» سنة 1974 من منظمات الرواد والطليعة في الأنظمة الاشتراكية، بعد تكييفها لخدمة أيديولوجية حزب البعث والقومية العربية. اشتهرت المنظمة في المرحلة الابتدائية بما عُرف بـ «الصفقة الطلائعية»، ثم انتقلت هذه الطقوس إلى المنظمات الشعبية، ومجالس البلديات، ومجلس الشعب، فأصبح التصفيق فرضاً يومياً في الاجتماع الجماهيري: «صفّق تسلم من الأذى».
تظهر صور متداولة على وسائل التواصل دخول بشار الأسد، وريثاً لأبيه، إلى مجلس الشعب وسط تصفيق طويل، كأنه يدخل منتصراً في حرب مع عدو عظيم. وفي المقابل، أظهرت الصور دخول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المجلس من غير تصفيق، تقليداً له من وجه آخر، أو انقلاباً في المشهد السياسي الرذيل.
ولعل هذا يلخص الفارق؛ فقد كان التصفيق في عهد الأسدين صلاةً سياسيةً وشعيرةً يوميّة لإعلان الولاء والخضوع.
التصفيق أصله غربي
والتصفيق، في أصله، ثقافة وافدة من المسارح وحلبات الرومان والمسارح الغربية الحديثة، أما العرب فقد كانوا يعبرون عن الطرب بطريقة أخرى، حتى قيل في مروياتهم عن المطروب: «فحص بقدميه الأرض طرباً». لكن نظام الأسد، المتنكر بالقومية البعثية، جعل التصفيق واجباً وطنيّاً، حتى غدا السياسيون والجماهير مضطرين إليه تعبيراً عن الولاء والخضوع، أما الممتنع عنه فكان موضع شبهة وخيانة.
وصف القرآن عبادة المشركين عند البيت بقوله تعالى: (وما كان صَلاتُهم عند البيت إِلاَّ مُكاءً وتَصْدِيةً) أي صفيراً وتصفيقاً. أما التصفير فأصبح في العصر الحديث، في الغالب، علامة احتجاج في المسارح والاجتماعات، بينما صار التصفيق المكافأة الرمزية الأولى للفنان والخطيب السياسي، حتى لو قال هرفاً.
السياسي، في التعبير المعاصر، ممثل للشعب؛ ولذلك صار التصفيق ثناءً على الخطيب بلغة اليدين، ولغةً جسديةً للموافقة والرضا والطرب. وهو أيضاً معدٍ كالوباء، لأن الإنسان يصفق غالباً بوصفه نفراً في جماعة أكثر مما يصفق تعبيراً عن رأيه، ولا سيما في الأنظمة التي تحرم السياسة.
وللتصفيق دويٌّ، فهو جرس وطبل من لحم، وهو قريب في دلالته من معنى الصفقة، وهو التبايع والاجتماعُ على الشيء. وقد جاء في الأثر: «بارك الله لك في صفقة يمينك». وجاء في حديث البيعة: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه...».
ويبدو أنَّ شبح عهد الأسد ما يزال حاضراً؛ فأغلب السياسيين، بل وبعض خطباء الجمعة، ما زالوا يستعملون ألفاظ ذلك العهد وأدبياته في بياناتهم وخطبهم. من ذلك هذه التغريدة في صفحة وزارة الإعلام السورية: «جاءت النقلة النوعية التي حققتها سوريا على مؤشر حريات الصحافة في العالم تطبيقاً ونتيجة لرؤية السيد الرئيس أحمد الشرع».
التصفيق ممنوع
ومع ذلك، جاء افتتاح مجلس الشعب الجديد، الخالي من التصفيق، مختلفاً؛ إذ بدا كأنه يستعيد شيئاً من التقاليد البرلمانية العريقة التي عرفتها سوريا في أوج حياتها النيابية بعد الاستقلال، أو لعله يقترب من تقاليد مجلس العموم البريطاني، حيث جرى العرف البرلماني على استهجان التصفيق. ويعبُّر الأعضاء عن التأييد بقولهم: «اسمع، اسمع»، وعن المعارضة بوسائل أخرى، حفاظاً على طبيعة النقاش البرلماني، وتجنباً لتحول الجلسات إلى منافسة في التصفيق.
يحظى الرئيس أحمد الشرع بشعبية وقبول واسعين بعد إسقاط نظام الأسد، وهو أمر يقرّ به بعض معارضيه، وإن كان بعضهم يعزو سقوط النظام إلى توافقات دولية وإقليمية، وإلى شيخوخة النظام نفسه؛ «وتلك الأيام نداولها بين الناس».
ولأنَّ الأسد خلّف تركة ثقيلة، وهو الوصف الذي استُعمل في أوّل عهد ابنه، وكان يحتمل المدح والذم، فإنَّ بعض أنصار الشرع يتطلعون إلى إنتاج شعارات موازية لشعارات الأسد، مثل: «أحمد إلى الأبد»، ويتوق بعضهم إلى استعادة طقوس التصفيق نكايةً بجمهور الأسد. بل يذهب بعض الناس إلى القول: إن الشرع يطمح إلى ملكية أو رئاسة دائمة على شاكلة رئاسة الأسد الأبديّة.
ومهما يكن من أمر، فإن صدور توجيه سياسي بإلغاء التصفيق في البرلمان يُعدّ قفزةً كبرى إلى الأمام: إنهاء طقس عبثي من طقوس الولاء والخضوع.
البردة ومعطف غوغل ودراعة الأسد الحديدية
نعود إلى «معطف غوغول»، وإلى مبروك بطرسبرغ.
لقد كانت البردة النبوية رمزاً من رموز الخلافة والملك، وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال لعثمان رضي الله عنه: «يا عثمانُ إن اللهَ مُقَمِّصُكَ قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خَلْعِهِ فلا تَخْلَعْهُ». وقد فسّر العلماء القميص بالخلافة، وقال ابن الأثير: «وهو من أحسن الاستعارات».
شبح الأسد، بعد أن نُزعت عنه بردته الحديدية، ما يزال يجول في قلب سوريا، مثل شبح بطل قصة غوغول.
لقد كان ذلك المعطف منسوجاً من آلام السوريين، ومن جلودهم المسلوخة تحت التعذيب، نعم، لقد نَعِمَ كثيرون بدفئه. ويصدق في المعطف الحديدي الذي ارتداه الأسد المثل: عيني فيه وتفو عليه.