أمام كرد سوريا فرصة نادرة
31. يناير 2026
مع تغيّر ميزان القوى وإعادة تشكّل الديناميات الإقليمية، يواجه أكراد سوريا فرصة نادرة: الانتقال الحاسم من منطق الميليشيات المسلحة إلى الانخراط السياسي والتعددية ضمن إطار دستوري. إما اغتنام هذه الفرصة، أو المخاطرة بمزيد من التراجعات.
بعد أقل من عام على اتفاق 10 آذار 2025 الذي تم التوصل إليه كإطار لدمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» داخل مؤسسات الدولة، دخل هذا الملف بمنعطف محوري في كانون الثاني/يناير 2026 مرحلة مختلفة تماماً. إذ خسرت قسد قواعدها في حلب، وفي غرب الفرات والجزيرة السورية وصولاً إلى مشارف الحسكة.
جاء اتفاق 18 كانون الثاني في سياق تغير موازين القوة والسيطرة الميدانية، حيث قدم صيغة بديلة أكثر تفصيلاً للتهدئة والاندماج، ليتوّج بتفاهم قائم عليه في 30 يناير ويحول التهدئة إلى حزمة تنفيذية تتضمن انسحاباً من نقاط التماس، ودخول قوى أمن وزارة الداخلية إلى مراكز الحسكة والقامشلي، ومسار دمج متسلسل للمؤسسات المدنية والعسكرية.
هذا التسلسل يوضح أن قسد كعنوان جامع استهلكت وظيفياً، وأن المعنى العملي بات في البنية الصلبة فقط: وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ، مع شبكات أمنية وإدارية مما يُعرف بـ«الإدارة الذاتية» تراكمت خلال السنوات الماضية. لذلك فإن سؤال هل تنتهي قسد؟ أقل دقة من سؤال كيف تفكك البنية المسلحة وتُعاد هندستها ضمن سلسلة قيادة وطنية واحدة تمنع أي ارتدادات أمنية وعسكرية مستقبلاً؟
يقدم تفاهم 30 كانون الثاني إجابة أولية عبر تأسيس فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية ولواء عين العرب/كوباني ضمن تشكيل يتبع لوزارة الدفاع، أي نقل القوة من إطار حزبي ميليشياوي إلى قالب نظامي قابل للمحاسبة والانضباط. لكن أي هندسة عسكرية ستفشل إن لم تُبن فوق هندسة سياسية موازية.
التعددية السياسية عند الكرد
هنا تظهر ضرورة التعددية في تمثيل الكرد السوريين: دمشق تحتاج طرفاً كردياً يمكن التفاهم معه من دون أن يكون امتداداً تنظيمياً لحزب العمال الكردستاني، لأن استمرار الارتباط العضوي بـهذا الحزب يفتح تلقائياً بوابة الأزمة مع تركيا، ويحول حقوق الكرد إلى ملف أمن قومي إقليمي لا إلى ملف مواطنة داخلية خصوصاً أن هذه الحقوق قد أصبحت مصانة بالمرسوم 13 لعام 2026 وفي طريقها لتأخذ مكانها في أي دستور مستقبلي.
وبقدر ما أثبت حزب الاتحاد الديمقراطي قدرة على التنظيم والسيطرة من خلال أذرعه العسكرية، أثبت أيضاً عجزه عن إنتاج تمثيل سياسي مقنع للكرد السوريين خارج منطق الاحتكار والقوة. هذه الفكرة ليست تجريداً؛ اتفاق 10 آذار 2025 نفسه تحدث عن الدمج، لكنه بقي من دون ترجمة، ثم أتى اتفاق 18 كانون الثاني 2026 كبديل عملي بعد أن تآكلت قدرة قسد على المناورة. وأدى عدم قراءة وفهم المشهد الجيوسياسي جيداً إلى تشدد تفاوضي وقرارات ميدانية خاطئة وبالتالي إسقاط اتفاق 10 آذار، وأن مركز القرار شديد الارتباط بمراكز قوة خارجية لا تمثل السوريين الكرد ولا مصالحهم تحت سقف الوطن السوري.
الفرصة الآن أن التمثيل البرلماني المتوقع خاصة إذا ما تم تطبيق الانتخابات غير المباشرة في المحافظات الثلاث كاملة وأيضاً إذا ما جاء أكراد تعييناً ضمن كتلة الرئيس حيث يمكن أن يكرس ذلك تعددية تتجاوز PYD، فتظهر شخصيات وأحزاب كردية سوريا ذات جذور اجتماعية وتاريخ سياسي معروف، وعلى رأسها المجلس الوطني الكردي السوري، إلى جانب أحزاب أخرى.
بالعموم هذا ليس ترفاً؛ هو شرط لكي يصيغ الكرد مشروعاً سياسياً منسجماً مع المطالب الحقوقية التي بدأت الدولة الاستجابة لها عبر قرارات وإعلانات رئاسية (لغة، ثقافة، مواطنة)، ومع منطق الدولة الواحدة لا «الكانتون» المسلح. أيضاً البُعد الإقليمي يزيد الحاجة إلى هذا التحول؛ فسوريا الخارجة من حرب طويلة تتجه نحو إعادة تموضع: تراجع الحضور الروسي على الأرض، وانحسار شبكات النفوذ الإيرانية بشكل شبه كامل، وتقارب تركي سوري متدرج تدعمه عواصم عربية فاعلة مثل الرياض والدوحة. ضمن هذا المشهد، أي مشروع كردي لا يقرأ اتجاه الريح سيجد نفسه خارج المعادلة: إما يندمج في دولة تعيد بناء سيادتها ومؤسساتها، أو يتحول إلى جيب مسلّح دائم الاستنزاف ينتهي بإقصاء عسكري كامل – كما حدث مع نظام الأسد وجيشه «الجرار» – وهو يستدعي ضغوطاً وتدخلات ويغلق باب الاقتصاد والتنمية أمام مجتمعاته.
رسائل إلى المجتمع الدولي
لعبت واشنطن دوراً دبلوماسياً في تثبيت مسار الاندماج ودفعه قدماً، في إشارة واضحة إلى أن هذا الملف لم يعد صفقة محلية محدودة، بل جزء من ترتيب أوسع يهدف إلى تجنّب مواجهة إقليمية. وانطلاقاً من ذلك، تبرز رسالتان أساسيتان إلى المجتمع الدولي يتشارك فيهما كثير من السوريين. الأولى سياسية بامتياز: كسر احتكار حزب العمال الكردستاني لتمثيل أكراد سوريا يُعد مكسباً صافياً للاستقرار في البلاد، لأنه يفتح المجال أمام بروز أصوات مستقلة وبراغماتية، أقرب إلى المجتمع الكردي الحقيقي، وأكثر قابلية للالتزام بالتفاهمات والاندماج في النسيج السوري العام.
الرسالة الثانية هي أمنية-عسكرية: نجاح الدمج يتطلب ثلاث مسارات متوازية: أولاً، ضبط السلاح وسلسلة القيادة، بحيث تحل الازدواجية بين قوات تدّعي الاندماج وقيادات ميدانية تدين بالولاء لقنديل؛ ثانياً، دمج أجهزة الأمن المحلي ضمن وزارة الداخلية مع إعادة تدريب ومعايير تحقيق ومساءلة؛ ثالثاً، تحييد العناصر غير السورية المرتبطة بـحزب العمال الكردستاني وإخراجها من المعادلة، لأن وجودها كان أحد أسباب تعطيل التفاهمات وتغذية التصعيد.
المفارقة أن عبد الله أوجلان - وفق ما نُقل عن رسائله وتصريحاته الأخيرة - يبدو أكثر إدراكاً لكلفة المزايدات القنديلية؛ هو يصف التصعيد في سوريا بأنه محاولة تخريب لمسار السلام، ويدفع باتجاه حلول تُبعد سوريا عن منطق الحرب المفتوحة وتعيدها إلى منطق السياسة. إذا كان رأس الهرم الرمزي يفهم منطق التسويات، فلماذا أصرت بعض مراكز القوة في قسد على إنتاج خطاب النفير العام والمقاومة الكبرى كأنها طريق النجاة؟