حين يُطالَب الثوّار بنسيان أحلامهم
20. يناير 2026
ثورةٌ تعلّمت ضبط النفس تجد اليوم أحلامها تُصادَر بهدوء على يد من يحكمون باسمها. وعندما تتحول دعوات «بناء الدولة» إلى أداة لتأديب المجتمع لا لمحاسبة أصحاب السلطة، فإن الخطر يكمن في عودةٍ بطيئة ومؤلمة للتمرّد.
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، غالباً ما تبرز شخصية قياديّة، تُطلق نداءً لتوجيه الوعي الجمعي نحو مسار ما، والأمثلة على ذلك كثيرة، جورج واشنطن، عبد الناصر ، نيلسون مانديلا، كمال أتاتورك، شارل ديغول، والقائمة تطول.
عندما خاطب الرئيس السوري أحمد الشرع جمهور الثورة للانتقال من «عقلية الثورة» إلى «عقلية الدولة»، كان يمارس بذلك نوع من الهندسة النفسية- الاجتماعية، لإخراج الجماهير من حالة نفسية سيّالة وعاطفية، وإدخالهم في مرحلة البناء العقلاني والمؤسسي.
كانت دعوته محاولة لانتشال الوعي السوري من حالة «الجمهور الثوري» وهي الحالة التي يذوب فيها الفرد في الحشد، ويتلاشى لديه التفكير النقدي، وتتحكم فيه الانفعالات البدائية والعدوى العاطفية كما حللها المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون. فالجمهور الذي توحد لهدف واضح وهو «تحقيق العدالة الاجتماعيّة» قبل أن يتغوّل النظام البائد بعنفه ويضاف «اسقاط النظام» إلى أهدافه، يجد نفسه فجأة أمام مهمة أكثر تعقيداً، وهي بناء دولة تتطلب الصبر، والتفكير المركب، والتنازلات المؤلمة، والقدرة على التعايش مع الخصوم.
تأجيل الإشباع
استجاب جمهور الثورة الذي حمل عبء المواجهة لسنوات، لهذه الدعوة بوعي ومسؤوليّة، حيث أدركوا أن الحفاظ على مكتسبات النصر يتطلب درجة عالية من ضبط النفس. وهذا الصمت الذي التزموا به وهم يرون فلول النظام السابق يتجولون في الشوارع، لم يكن صمت الخائف، بل كان قراراً واعياً بتغليب «الإيثار » الجمعي، التي تمثله فكرة الدولة والقانون والمصلحة العامة، على «الهوى» الجمعي الذي يميل إلى الانتقام الفوري والثأر وتفريغ العدوانية.
لقد مارسوا ما يعرف في علم النفس بـ«تأجيل الإشباع»، متنازلين عن رغبتهم في تحقيق العدالة بأيديهم، مقابل وعد بتحقيقها عبر مؤسسات الدولة الجديدة، وكانت هذه لحظة نادرة من النضج الجماعي، حيث وضع المجتمع ثقته في عقد اجتماعي جديد، آملاً أن يكون أكثر عدلاً وإنصافاً من سابقه.
لكن المشكلة التي تكرّرت في التاريخ مراراً، هي أن الجماعة التي تصل إلى السلطة غالباً ما تقع فريسة لنفس الأمراض النفسية التي قامت الثورة ضدها، فالدعوة إلى «عقلية الدولة» يبدو أنها كانت موجهة للجمهور فقط، بينما كانت «الجماعة» المتمثلة في هيئة تحرير الشام ومن يدور في فلكها، تمارس «سيكولوجيا المنتصر» بمنطقها البدائي القائم على الغنيمة والاستحواذ.
هنا، نرى بوضوح كيف أن «إرادة القوة» التي تحدث عنها الفيلسوف الألماني نيتشه، وتعني مغامرة الإنسان بحياته من أجل النمو والازدهار لأنّها تحقّق له الحريّة والسيادة، وهذه الفكرة كانت دافعاً للثورة ضد الظلم، تتحول لدى «الجماعة» إلى أداة لفرض هيمنتها وتكريس امتيازاتها، فهي «متلازمة المنتصر» التي تجعل الفصيل الذي أعلن عن حسم المعركة عسكرياً يعتقد أنه امتلك البلاد ومن فيها، متناسياً أن النصر العسكري لا يمنح بالضرورة شرعية سياسية أو أخلاقية.
التنافر المعرفي
إن ما يجري ليس مجرد فساد إداري، بل هو تجسيد لظواهر نفسية عميقة، أولها ظاهرة «التماهي مع المعتدي»، وهي آلية دفاع نفسية تقوم فيها الضحية بتبني سلوكيات المعتدي لتجنب الشعور بالعجز والقلق، فالجماعة التي عانت من الإقصاء والتهميش في ظل النظام السابق، تقوم الآن بإعادة إنتاج نفس آليات الإقصاء والتهميش ضد شركائها في الثورة.
إن توزيع المناصب على أساس الولاء الفصائلي بدلاً من الكفاءة هو سلوك يعكس انعدام أمان عميق، ورغبة في بناء «مجموعة داخلية» متماسكة في مواجهة «مجموعة خارجية» تضم بقية أطياف المجتمع، وهذا السلوك لا يبني دولة، وإنما معسكراً مغلقاً، ويحول الدولة من إطار جامع إلى ملكية خاصة لفئة دون أخرى.
هذا الإقصاء الممنهج يولّد لدى جمهور الثورة شعوراً حاداً بـ«التنافر المعرفي»، وهو حالة من التوتر النفسي الشديد تنشأ عندما يحمل الفرد معتقدَين متناقضين في آن واحد، فهم يواجهون واقعاً (تهميشهم وتجاهل تضحياتهم) يتناقض بشكل صارخ مع معتقداتهم وقيمهم (أن الثورة كانت من أجل العدالة للجميع) ولحل هذا التنافر المؤلم، أمامهم خيارات محدودة، إما أن يغيروا معتقداتهم ويقنعوا أنفسهم بأن هذا هو الواقع الجديد ويجب قبوله، وهذا يعني موت الحلم الثوري، أو أن يرفضوا هذا الواقع ويسعوا لتغييره بكلّ الوسائل.
إنّ التنافر المعرفي لا يختفي حين يُقمع، بل يتراكم. والمطالبة بالصمت واعتماد «عقلية الدولة» فيما تُسرق الأحلام على مرأى من الجميع هي وصفة مضمونة لدفع الناس نحو الخيار الآخر: المواجهة.
ضرورة الهوية الجامعة
النتيجة الحتمية لهذا المسار هي عودة الوعي الجمعي إلى «عقلية الثورة» من جديد، فالشعور بالغبن والتهميش هو أقوى محفز لإعادة إحياء الهويات الثورية وتكتلاتها، لكن هذه المرة، ستكون العودة أكثر مرارة ويأساً، لأن الغبن والتهميش أتى من الداخل، ممن كان يفترض بهم أن يكونوا حماة الحلم.
هذا قد يدفعهم ليس فقط إلى مواجهة الإدارة الجديدة، بل إلى فقدان الثقة في فكرة الدولة نفسها، والانجراف نحو أشكال أكثر بدائية من التنظيم الاجتماعي، كالعشائرية أو الفصائلية الضيقة، مما يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي بشكل لا يمكن إصلاحه، والدخول في دائرة مفرغة، حيث يؤدي الظلم إلى ثورة، والثورة تؤدي إلى جماعة جديدة تمارس ظلماً جديداً، مما يؤسس لثورة قادمة.
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب من السلطة الجديدة أن تتجاوز سيكولوجيا المنتصر الضيقة، وأن تدرك أن شرعيتها الحقيقية لا تأتي من قوة السلاح، بل من قدرتها على بناء «هوية جامعة» يشعر فيها كل مواطن بالانتماء والكرامة.
وعليه، فالمطلوب هو الانتقال من منطق «الجماعة» إلى منطق «المواطنة المتساوية»، وتأسيس مؤسسات لا تميز بين المواطنين إلا حسب عدالتهم وقدراتهم ، كما أن إطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية ليس ترفاً، بل هو ضرورة نفسية لتضميد جراح الماضي ومنعها من أن تصبح «صدمة جماعية» تنتقل عبر الأجيال.
بدون هذه الخطوات، ستظل الدعوة إلى تبنّي «عقلية الدولة» مجرّد آمال لن تتحقّق، بينما الواقع هو كابوس لدولة تأكل أبناءها، وتلتهم سيكولوجيا السلطة أحلام الثورة، وتثبت مرة أخرى أن تغيير الطغاة أسهل بكثير من تغيير آليات الطغيان.