حزب «البعث»: قراءة ساديّة!
26. يناير 2026
تكشف مذكرتان بعثيتان، عند قراءتهما على ضوء رواية «جوستين» للماركيز دو ساد، عن سياسة تكافئ الوحشية والخيانة، وتتشبّث في الوقت نفسه بلغة الفضيلة.
في مصادفة غريبة، وصلني الأسبوع الماضي، كتابان عن حزب «البعث العربي الاشتراكي»، الأول عن ابن مدينة طرابلس اللبنانية، عبد المجيد الرافعي، القيادي التاريخي لـ«حزب البعث» (الجناح الموالي للعراق في لبنان)، والثاني عن محمد رشاد الشيخ راضي، ابن مدينة النجف العراقية، «عضو قيادة قطر العراق» و«العضو الاحتياط في القيادة القومية لحزب البعث»، وهي صفات تشير إلى الجناح العراقي لحزب «البعث» في سوريا!
يشير كتاب «يعبرون وتبقى: صفحات من سيرة الدكتور عبد المجيد الطيّب الرافعي»، الذي كتبه د. خالد بريش (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، إلى انتماء الرافعي إلى أسرة دينية كبيرة في مدينة طرابلس، وإلى أن «فكرة الانتماء لحزب علماني» بدت مستغربة بالنسبة إليه، «لكونه ابن عائلة الرافعي الحاملة لراية الإسلام، الضاربة بجذورها في تاريخ مدينة طرابلس العلمي والديني والثقافي، والتي قدمت للأمة ثلة من العلماء الفقهاء الأساتذة المفتين والقضاة».
يتحدث الشيخ راضي، بدوره، في كتابه «البعث كما عرفته: مذكرات محمد رشاد الشيخ راضي»، (دار الحكمة – لندن) عن كونه ينتمي إلى عائلة دينية من النجف نسبة إلى آية الله الشيخ راضي، وهو فقيه يعد من كبار أساتذة الحوزة العلمية ومن مراجع التقليد في الفقه الإسلامي الشيعي.
تأثر الرافعي، كما يقول الكتاب، بالصراعات السياسية الكبرى في المنطقة العربية، وخصوصاً، أحداث نكبة فلسطين عام 1948، وبعدها صعود حركة القومية العربية في حقبة عبد الناصر و«البعث»، وهو يناظر ما يقوله الشيخ راضي عن سياق ارتباطه بالحزب بصعود الشعارات الوحدوية في خمسينيات القرن الماضي، ولكنه يضيف إلى ذلك واقعة المواجهة مع الشيوعيين بعد قيام ثورة 1958، الذين «سيطروا على أغلب مفاصل الدولة»، على حد قوله.
يحمل كتاب «البعث كما عرفته» وهو الجزء الأول من مذكرات الشيخ راضي، عنواناً فرعياً متفائلاً: «لا شيء يفقدنا الأمل»، ورغم أنه مثل كتب مذكرات بعثيين عديدين انتقدوا حزبهم، لكن الشيخ راضي، يختلف معهم، كما يقول محرر الكتاب، «من دون استثناء»، بأنه «بقي مصراً على اعتزازه بحزب البعث العربي الاشتراكي» مع إضافة لاحقة معبّرة على الاسم وهي: «اليساري»!
رغم أن الكتاب آنف الذكر هو من صنف «السيرة الذاتية» السياسية فإنني لم أجد مثالاً قادراً على شرحه وإعانة القارئ على فهمه أكثر من رواية «جوستين» للماركيز دو ساد، والذي يقوّض فيه اساسات المنظومة الاجتماعية والدينية والأخلاقية والسياسية في فرنسا القرن التاسع عشر، عبر قصة أختين فقدتا العائلة والثروة فاختارت إحداهما اتباع طريق الفضيلة مما يعرضها لأشكال من المصائب التي يصعب تخيّل فظاعتها، وتشقّ الأخرى طريقها، عبر الرذيلة، صعوداً في المجتمع!
يتمسّك الشيخ صالح بالفضيلة المسمّاة «مبادئ الحزب»، ليبدأ معها خلافه عام 1964 مع ما يسمّيه «القيادة اليمينية» لصدام حسين وأحمد حسن البكر، انطلاقاً من حادثة هرب فيها الأخير من سجّانيه، ما يدفع الشيخ راضي، ومجموعة من رفاقه، إلى الانشقاق على الحزب في العراق على أسس «يسارية»، ولكنها، في الوقت نفسه، مؤيدة لـ«الانقلاب اليساري» داخل الحزب الذي جرى في سوريا عام 1966، وحالما ينجح الانقلاب البعثي للبكر وحسين في العراق عام 1968، يُقبض عليه ثم يعفى عنه ليعود للحزب، لكنه يصر على التمسك «بمبادئ الحزب»، وانشقاقه، مما يؤدي في النهاية إلى فراره إلى سوريا.
تظهر مفارقات متتالية تضرب فرضية «المبادئ اليسارية» عند الكاتب بمجرد وصوله إلى دمشق حيث سيدخل، ورفاق له، في أتون الصراع الحاد الجديد المندلع بين جناح صلاح جديد، من جهة، ووزير الدفاع، حينها، حافظ الأسد. يسارع أحد الرفاق العراقيين، صدقي أبو طبيخ، بالعودة إلى بلاده، بل وترك العمل الحزبي كلّه، لأنه «لم يعد على قناعة بأن الحزب سيشكل في مسيرته تنظيماً ديمقراطياً وأنموذجاً لقيادة الأمة»، أما الشيخ صالح فيجد تبريراً للابتعاد عن جناح جديد، والانضواء تحت جناح الأسد. في العراق، اعتبر الشيخ صالح قراءة البكر وصدام الصحيحة لموازين القوى الدولية عمالة لجهات أجنبية. أما في سوريا، فكان موقف الأسد الشبيه، بالامتناع عن الدعم الجوي للمقاومة الفلسطينية في الأردن، قراءة واقعية لتلك الموازين.
في تقليد لـ«جوستين»، ولكن من دون نجاح كبير، يبقى الشيخ صالح مصرّاً، لفظياً على الأقل، على فضيلة أنه «بعثي يساري» رغم انعدام الفوارق بين حكمي العراق وسوريا، واليمين واليسار، ورغم تعرّضه هو نفسه لحوادث مهولة، من قبيل تواطؤ مسؤولي «البعث» في سوريا مع جناح صدام حسين وتأمين صعوده الى السلطة، وتسليم عناوين وأسماء المنشقين «اليساريين» العراقيين، وتعرّضه شخصياً لأشكال من التآمر، وصولاً إلى نشوب صراع دمويّ بين قادة القيادتين القومية والقطرية العراقية في دمشق أدى لاغتيال أحدهم، واتهام الشيخ صالح بقتله، وبعد انكشاف القاتل، المدعوم من رفعت الأسد، يتم الإبقاء على القاتل في موقعه!
يذكر الكتاب أحداثاً خطيرة يظهر فيها قادة كبار في الحزب منخرطين في ألعاب دموية تضيع فيها الولاءات بين العراق وسوريا والقادة العسكريين والأجهزة الأمنية، ويكافأ فيها الجواسيس والخونة والقتلة، ويصفّون بعضهم البعض. يصرّ الشيخ راضي، بعد كل ذلك، على فكرة فضيلة الحزب، وكونه «المنقذ من الضلال»، وأن سبب الأعطاب الرهيبة هي «إفراغ الحزب من دوره الفاعل في إدارة الدولة»، ما أدى، والكلام هنا عن سوريا، «إلى سقوط النظام سقوطاً مروعاً وتحولت دمشق من معقل العروبة ومنبع القومية العربية إلى دويلة يحكمها المصنفون دوليا بالإرهاب».
تحتاج تجربة الرافعي، مع ذلك، قراءة خاصة، فارتباطه جعله في قلب التحوّلات السياسية والاجتماعية لمدينة طرابلس، لكنّ ذلك، إضافة لانتمائه للجناح الموالي للعراق، جعلاه في خطر شديد من النظام السوري وحلفائه المسيطرين على لبنان، وحسب الكتاب فقد طالت الاغتيالات رفاقه المحيطين به، مثل المحامي تحسين الأطرش، والمفكر عبد الوهاب الكيالي، «في الوقت الذي تعرض فيه آخرون لغياهب السجون في أروقة النظام السوري، ومورست بحقهم أقذر أنواع الإهانات، وأساليب القمع والتعذيب».