سقوط جدار برلين السوري
29. يناير 2026
على مدى عقدٍ من الزمن، عاشت سوريا في ظلّ قطيعة غير مرئية بين شرقها وغربها أعادت تشكيل الولاءات وتفاصيل الحياة اليومية. وانهيار هذه القطيعة يفتح مرحلة انتقالية خطِرة، يتعيّن فيها إعادة بناء الوحدة قبل أن يتصلّب الانقسام من جديد.
ليس من جدارٍ في سوريا يفصل بين شرقها وغربها بالإسمنت والحجر، على غرار جدار برلين في ألمانيا، لكن ثَمّة جدار من السلاح والثقافة واللغة، بل والعقيدة، جرى بناؤه بين سوريا الشرقية وسوريا الغربية منذ أن استعان بشار الأسد بحزب العمال الكردستاني، وسلّمه مفاتيح شمال شرق سوريا، كي يتفرغ للغربية، بطشاً وتنكيلاً.
وقد سقط الجدار المبني بالسلاح والقرارات السياسية والايدلوجية، والكراهية. لقد جرى التوقيع على اتفاق 18 يناير، وخضعت قوات سوريا الديمقراطية، بالحصار السياسي العالمي والمحلي والنفسي، وهي تدرك ان المعركة لن تكون سهلة، فنصف الشعب على الأقل ليسوا كرداً، وقد توقفت الأعمال والريع، لكن المجتمع الذي جرى بناؤه في عقد على حب القومية الكردية، والانتماء الى كردستان لا إلى سوريا، سيحتاج وقتاً للترميم و المعافاة.
دُمِّرت الجسور وأُنشِأت الحواجز
كان قد مضى أكثر من نصف قرن على الفصل بين الألمانيتين إلى أن انهار الجدار وتحطّم، ولا تزال الفروق بينهما قائمة حتى اليوم: في البطالة، والعنصرية، وطبيعة المجتمع، رغم المبالغ الضخمة التي أُنفِقت على ألمانيا الشرقية. كانت الشرقية أحادية الفكر، اشتراكية ماركسية، فيما كانت الغربية متديّنة، أو على الأقل ذات حضور ديني، . غاب في الشرقية التفكير الفردي والاستقلال، على العكس من الغربية، وظهرت فيها عنصرية شديدة رغم ادّعاء الأممية والاشتراكية.
أمرٌ مشابه نشأ في سوريا الشرقية التي تحكمها قوات سوريا الديمقراطية، لكن في فترة أقصر بكثير من فترة الحكم الاشتراكي في ألمانيا الشرقية. فالتعليم فيها شبه معدوم، وقد نشأ جيل لا يعرف من العربية شيئاً، بعد أن كان الكرد يتقنون العربية، إمّا من المدارس أو من مسلسلات التلفزيون. لا تعترف الأمم المتحدة بشهادات مدارس الإدارة الذاتية، والأمر الوحيد الذي تطوّر هناك هو بناء المقابر الجميلة لضحايا الحزب، وبناء الأنفاق. ومقياس الولاء هو الطاعة ومعاداة الترك.
تُضمر تسمية «سوريا الشرقية الشمالية» بـ«روج آفا»، حلماً بتوحيد أقسام كردستان الأربعة، لكنها تتناسى أن سوريا هي عاصمة الأمويين القديمة، وفيها ازدهر أحد أزهى عصور الإسلام. كما تتناسى أن سوريا كانت سبّاقة في مشاريع الوحدة العربية، وأن الوحدة بين سوريا ومصر في عهد الرئيس شكري القوتلي كانت نتيجة ضغط شعبي ووطني وقومي. فيما تسعى قوات سوريا الديمقراطية اليوم إلى فصل شرق وشمال سوريا عن غربها، باسم الفيدرالية، في بلدٍ وشعبٍ يتوق إلى أمة واحدة. لا يستطيع السوري زيارة المحافظات التي تحكمها قوات سوريا الديمقراطية إلا بكفيل كردي، كما في الخليج، والمناطق ثرية بالثروات لكن أثرها معدوم على الحياة، الطرقات محفرة، والكهرباء تباع بالأمبيرات والمياه بالجالونات والضرائب كثيرة. فهي دويلة جباية، بل أنها تجبي حتى من المهاجرين المغتربين أموالاً كثيرة باسم المقاومة: «البرخودان» و«البارستين».
مقارنة بين الشرق والغرب السوريين
في شرق وشمال سوريا (قسد)، هناك إدارة ذاتية خارجة عن الدولة، غير معترف بها دولياً، تحكمها سلطة حزبية أمنية، يقودها قادة من حزب العمال الكردستاني القادمين من قنديل. توجد تعددية شكلية على غرار «الجبهة الوطنية التقدمية»، مع احتكار كردي فعلي للقرار السياسي.
يوجد استقرار أمني نسبي، لكنه مصحوب بتقييد الحريات، وانتشار كثيف للأجهزة الأمنية، وتشجيع الوشايات، واعتقالات متكررة، بالشبهة، أو من أجل الفدية، أو اعتقال لتعليم العربية الممنوعة، وقد اعتُقِل معلمون للعربية وأُفرِج عنهم، أحياناً يعتقل المواطن بسبب العثور على صورة الرئيس الشرع في هاتفه الشخصي!
تُفرض قوانين صارمة تتعلق بالصور والشعارات، مع تأليه لعبد الله أوجلان، وحضور شخصه في المناهج والتماثيل والصور، يجاوز حتى تأليه كيم جونغ اون، رئيس كوريا الشمالية، ورغم الموارد الكبيرة من نفط وغاز وقمح ومياه، فإن الاقتصاد مغلق ريعي يعتمد على تهريب النفط، والبطالة مرتفعة، والنزيف البشري مستمر بهجرة الشباب، مع تحكم اقتصادي–عسكري بالحياة والأعمال.
في التعليم، يُفرَض تعليم أيديولوجي عقائدي يمجّد الزعيم وفلسفة «الأمة الديمقراطية»، مع إضمار القومية، وإشكاليات كبيرة في الاعتراف بالشهادات وفرض اللغة الكردية على بيئة عربية واسعة. الخطاب العلماني صارم، والدين مُهمّش أو محاصر، ويُتعامل معه كمسألة أمنية. يشعر العرب بالتهميش، ويقابله سكوت نسبي بفعل العوائد والمشاركة العسكرية. الهوية كردية ماركسية تتجاوز القومية شكلياً، لكنها تتمركز فيها فعلياً.
أما في غرب سوريا، أو في سوريا العربية، الدولة النامية الناهضة من بين الأنقاض، توجد حريات أوسع نسبياً، مع مركزية دولة ضعيفة الحضور. المدن مدمّرة، وتظهر اًحياناً جرائم وانفلات أمني وضعف في الشرطة، مقابل حرية أكبر وأمن أقل. الاقتصاد منهك والموارد أقل، لكن هناك انفتاحاً تجارياً وفرصاً فردية رغم الفوضى والضعف العام.
التعليم ضعيف والمناهج تقليدية، والمدارس منهكة، مع بروز سجالات ثقافية حول التاريخ والرموز، لكن التعددية أكبر رغم الفوضى. الدين عاد بقوة إلى المجال العام، وهو متنوع: سلفي، وصوفي، وحركي، وجهادي، ويشكّل عنصراً فاعلاً في المشهد الاجتماعي.
هدم جدار العقل
الجدار الذي أشرنا إليه، موجود في العقول والأفهام، وإزالته تحتاج إلى جهد سياسي وفكري ووطني وتربوي، وإلى بناء الجسور التي هدمت. الأغلب ان التيار العسكري الذي سيقوض سيتحول إلى تيار سياسي، سيكون عنيفا مثل مظاهرات أنصار العمال الكردستاني في أوروبا.
العلاج واجب، وأوله بالحب: بالخدمات والرعاية والملاطفة والمواساة حتى يتساوى منسوب الوطنية بين السدين.