ما هو المطلوب بعد تحرير شرق سوريا؟

22. يناير 2026

ربما يكون عودة الدولة السورية إلى شرق سوريا قد أمّنت الأراضي والموارد، لكنها لم تُجب بعد على السؤال الأصعب المتعلق بالمواطن. فبدون وضع المواطنين - لا النفط - في صميم عملية إعادة الإعمار وصنع القرار، فإن التحرير معرّض لأن يكون فرصة سياسية ضائعة.

ما جرى خلال الأيام الماضية في شرق الفرات كان لحظة محورية في تاريخ الواقع السياسي السوري المعاصر، حيث التقت الحلول العسكرية بالقانون، والاقتصاد بالسياسة. فأصدر الرئيس الشرع مرسوماً رقمه 13 في 16 كانون الثاني 2026 يؤكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. وتلاه توقيع للاتفاق بين القيادة السورية مع تنظيم «قسد». وكل هذا يوحي بأن البلاد تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها إعادة بسط السيادة واستعادة الموارد الاقتصادية، بعد سنوات من غياب الدولة الفعلي في مدن تشكّل ربع  الأراضي السورية. 

من التفاهم العسكري إلى الإطار القانوني

يحمل الاتفاق مع تنظيم «قسد» دلالة سياسية مهمة: إنه لم يكن مجرد ترتيبات ميدانية، بل تحول بالمعنى الاستراتيجي إلى إطار مؤسساتي رسمي يضع حدوداً للعلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية التي سيطرت على المنطقة لسنوات. هذا التحول يعكس إدراك القيادة السورية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإعادة السيطرة الفعلية، وأن أي انتعاش مستدام يحتاج إلى شرعية قانونية وسياسية تُعزز مركز الدولة وتضمن إدارة الموارد الحيوية بشكل منهجي.

المرسوم رقم 13 يمثل خطوة ملموسة على هذا الطريق، إذ يُضفي إطاراً تشريعياً يتيح للدولة إدارة الحقول النفطية والمرافق الاستراتيجية بآلية رسمية، بعد أن كانت بعض هذه الموارد خارج سيطرتها الفعلية لعقود طويلة، إلا أن هذا الإطار القانوني، رغم أهميته، يظل نظرياً إلى حد كبير، إذا لم يُرفق بخطط عملية لإشراك المجتمعات المحلية في الإدارة والإشراف على الموارد، وضمان استفادة السكان من العوائد الاقتصادية المباشرة.

على المستوى السياسي، يوضح هذا التفاهم أن الحكومة تحاول تحجيم أي استقلال محلي كانت تملكه بعض مناطق شرق الفرات تحت إدارة «قسد»، واستعادة الأولوية السيادية لمؤسسات الدولة، أما على المستوى الأمني، فالتركيز على المؤسسات القانونية والقوة الشرعية للدولة يهدف إلى تخفيف النزاعات المحتملة بين العشائر والفصائل المحلية والقوى الأمنية، وتوفير آلية لإدارة الموارد دون انزلاق إلى صراعات جديدة.

ومع ذلك، يبقى السؤال المطروح: هل يقتصر اهتمام الحكومة على الموارد والشرعية الرسمية، أم ستضمن خططاً فعلية لبناء الإنسان وإعادة تأهيل المجتمع المحلي الذي عانى الحرب والاحتلال؟ في ظل التركيز الحالي على النفط والغاز والمليارات، يبدو أن الملف الاجتماعي والإنساني لا يزال في مؤخرة الأولويات، وهو ما يهدد استدامة أي نجاح اقتصادي أو سياسي بعد التحرير.

عين على الثروة.. وأين الإنسان؟

مع تقدم الجيش والعشائر في الرقة ودير الزور وبعض مناطق الحسكة، بدا اهتمام الحكومة منصبّاً على استعادة شرايين الاقتصاد الوطني، وعلى النفط والغاز ومجموعة الحقول الاستراتيجية، مع التركيز على إعادة تشغيلها وإدراجها في الدورة الاقتصادية للدولة وهو من ضمن مسؤولياتها، ولكن ما يلفت النظر، هو أن هذا الاهتمام بالمليارات والموارد لا يقابله أي اهتمام ملموس بحياة الإنسان الذي تحمّل وقدّم التضحيات، فأبناء هذه المناطق عانوا خلال سنوات الثورة من الحرب والاحتلال، فقدوا مدنهم، وأضاعوا حياتهم بين النزوح والقهر والفقر، التجويع، والحصار، وقدّموا شهداء على دروب التحرير، ومع ذلك لم تُطرح لهم أي خطة جادة للإعمار أو التعويض، ولا حتى لإعادة دمجهم في القرار المحلي أو تأمين مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي، رغم وعود شفهية من دمشق.

توصيات ومقترحات للقيادة السورية

تحتاج القيادة السورية إلى مقاربة شاملة تضع الإنسان في قلب مشروع الإعمار والتنمية، بحيث لا تقتصر الخطط الاقتصادية على استعادة الحقول النفطية أو تشغيل الموارد، بل تُربط عضوياً بمشاريع تعليمية وتثقيفية وصحية وسكنية تعود بالنفع المباشر على السكان المحليين. 

ويتطلب ذلك إشراك المجتمعات المحلية فعلياً في صنع القرار، من خلال مجالس تمثيلية تضم الأهالي والعشائر والكفاءات في كل محافظة، بما يضمن تحديد أولويات البناء الاقتصادي والاجتماعي من القاعدة إلى القمة. كما لا يمكن تجاوز ملف تعويض المتضررين من الحرب وبناء القدرات المحلية، عبر برامج عادلة للتعويض وتأهيل القوى العاملة للانخراط في جهود إعادة الإعمار، وفي قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة، بما يحوّل التعافي إلى عملية وطنية جامعة لا مشروعاً تقنياً معزولاً.

يتطلّب مسار التعافي السوري وضع خطة متكاملة لإعادة إعمار المدن المدمّرة، ولا سيما في الرقة ودير الزور، تقوم على تصاميم عمرانية حديثة تعطي الأولوية لإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية والخدمات العامة، بما يضمن استدامة التنمية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية للإنسان قبل الحجر. 

وبموازاة ذلك، ينبغي ربط موارد الطاقة بالمصلحة العامة عبر تخصيص جزء ملموس من عائدات النفط والغاز لتمويل مشاريع تنموية وخدمية تعود بالنفع المباشر على سكان المدن الشرقية، لا أن تبقى محصورة في مؤشرات الاقتصاد الكلي، بما يعزّز إحساس المواطن بأنه شريك فعلي في إعادة بناء وطنه لا مجرد متلقٍ للنتائج.

العودة إلى الأعلى

كاتب وناقد سوري

رأي

محسن المصطفى

أمام كرد سوريا فرصة نادرة

مع تغيّر ميزان القوى وإعادة تشكّل الديناميات الإقليمية، يواجه أكراد سوريا فرصة نادرة: الانتقال الحاسم من منطق الميليشيات المسلحة إلى الانخراط السياسي والتعددية ضمن إطار دستوري. إما اغتنام هذه الفرصة، أو المخاطرة بمزيد من التراجعات.

31. يناير 2026

أحمد عمر

سقوط جدار برلين السوري

على مدى عقدٍ من الزمن، عاشت سوريا في ظلّ قطيعة غير مرئية بين شرقها وغربها أعادت تشكيل الولاءات وتفاصيل الحياة اليومية. وانهيار هذه القطيعة يفتح مرحلة انتقالية خطِرة، يتعيّن فيها إعادة بناء الوحدة قبل أن يتصلّب الانقسام من جديد.

29. يناير 2026

حسام الدين محمد

حزب «البعث»: قراءة ساديّة!

تكشف مذكرتان بعثيتان، عند قراءتهما على ضوء رواية «جوستين» للماركيز دو ساد، عن سياسة تكافئ الوحشية والخيانة، وتتشبّث في الوقت نفسه بلغة الفضيلة.

26. يناير 2026

سامر العاني

حين يُطالَب الثوّار بنسيان أحلامهم

ثورةٌ تعلّمت ضبط النفس تجد اليوم أحلامها تُصادَر بهدوء على يد من يحكمون باسمها. وعندما تتحول دعوات «بناء الدولة» إلى أداة لتأديب المجتمع لا لمحاسبة أصحاب السلطة، فإن الخطر يكمن في عودةٍ بطيئة ومؤلمة للتمرّد.

20. يناير 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية